الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

18

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ولا ريب أن طب النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - متيقن البرء ، لصدوره عن الوحي ومشكاة النبوة ، وطب غيره أكثره حدس وتجربة ، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة ، وذلك لمانع قام بالمستعمل ، من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول . وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن ، الذي هو شفاء لما في الصدور ، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره به لقصوره في الاعتقاد والتلقي بالقبول ، بل لا يزيد المنافق إلا رجسا إلى رجسه ، ومرضا إلى مرضه ، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة ، والقلوب الحية . فإعراض الناس عن طب النبوة لإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الكريم الذي هو الشفاء النافع . وكان علاجه - صلى اللّه عليه وسلم - للمريض على ثلاثة أنواع : أحدها : بالأدوية الإلهية الروحانية . والثاني : بالأدوية الطبيعية . والثالث : بالمركب من الأمرين . النوع الأول في طبه ص بالأدوية الإلهية اعلم أن اللّه تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم - ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء - من القرآن ، فهو للداء شفاء ، ولصدأ القلوب جلاء ، كما قال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ « 1 » . ولفظه « من » - كما قال الإمام فخر الدين « 2 » - ليست للتبعيض بل للجنس ، والمعنى : وننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن شفاء من الأمراض الروحانية وشفاء أيضا من الأمراض الجسمانية . أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر ، وذلك لأن المرض الروحاني نوعان :

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 82 . ( 2 ) هو : الإمام العلامة ، فخر الدين ، محمد بن عمر بن الحسين القرشي البكري الطبرستاني الأصولى المفسر كبير الأذكياء والحكماء المصنفين ، إلا أنه بدت له في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة ، واللّه يعفو عنه ، فإنه توفى على طريقة حميدة ، له التفسير الكبير ، وغير ذلك ، مات بهراة سنة 606 ه ، وله بضع وستون سنة .